عنوان البرنامج
آثار العابرين
على خُطاهم لو نسير
الحلقة الثانية
ساقي العطاش..
وتاجرُ الرضا
صوت زحام شديد تداخل أصوات الباعة وحرارة شمس لاهبة ثم صمت مفاجئ يحلُّ على المكان
تخيل..
أنت في قلب السوق الناس يهرعون والأسعار تشتعل كالنار في الهشيم
والبطون
الخاوية تئن بصمتٍ خلف الجدران
في زاويةِ المكان
يقف رجل ثري يده تمسك بمفاتيح مخازن ضخمة مملوءة بالقوت والخيرات
والناس يتوسلون إليه ليبيعهم بضع لقمات.. لكنه يبتسم بقسوة ويقول
ليس الآن..
انتظروا حتى يشتد الجوع ويرتفع الثمن!
فجأة تنشق الزحمُ عن شخصية مهيبة
يكسوها الحياء والسكينة يمر بين الناس كالنسمة الباردة في يومٍ قائظ
يضع يده على كتف التاجر الجشع
وينظر في عينيه بنظرة تجمع بين العتب والشفقة..
ويقول له بصوت يزلزل الأرض تحت قدميه
يا عبد الله..
أتبعتم ربحا عاجلا ونسيتم عطاء باقيا؟
ارتباك المحب المواجهة الشرسة
نبرة صوت رخيمة توقظ النائمين وتزلزل الغافلين
ماذا ستفعل في تلك اللحظة لو كنت أنت ذلك التاجر؟
هل ستفتح مخازنك وتخرج ما كنزت؟
أم ستعتذر لترتب أرباحك التي جمعتها من وجع الناس؟
ليست فوضى الأرقام بل فوضى القلوب
هل ستركضُ لتخفي ذلك الاحتكار الذي مارسته لتتحكم في أقوات البسطاء؟
هل ستمسح تلك الصفقات التي بنيتها على أنقاض حاجة المتعثرين؟
المؤلم يا أخي..
أننا نرتعد إن نعتنا بـالجشع أمام البشر بينما الله يرى شح نفوسنا في كل درهمٍ نخبئه عن جائع ولا نهتز!
أمانة المال خلوات الأسواق
استعراض الموقف بحدة أدبية تصيب بالدهشة والندم
يجلس هذا التاجر المجهول أمامك يمسك بـهاتفك الذي تدير منه تجارتك
يسألك بمرارة تزلزل الروح ما بال ميزانك يميل مع الطمع وينكفئ عند الرحمة؟
تخيل لو نظر في مراسلاتك مع الموردين
هل سيرى هماً لخدمة الأمة؟
أم سيرى خططا لخنق السوق ليرتفع السعر؟
لو رأى كيف كنزت السلع في وقت الأزمة وجارك يبيت على الطوى
ماذا سيقول؟
هو الذي اشترى بئرا بماله وجعلها للمسلمين سبلا دون مقابل
فكيف بك وأنت تتاجر بـعطش إخوانك؟
مائدة الإخلاص البيع الرابح
ربط الواقع بالقدوة بأسلوب بليغ يبعث الرعشة في الجسد
يحين وقت العرض يذكرك بقافلةٍ جاءته في عام الرمادة
عرض عليه التجار أضعافا مضاعفة
فقال لهم بلسان الواثق إنَّ الله أعطاني بكل درهم عشرة
هل عندكم مزيد؟
ينظر إلى جشعنا وإلى تسابقنا في تكدير عيش الناس لنزداد غنى يسألك بوجعٍ يهز الوجدان أتجمع الحطام لورثتك وتترك لنفسك الفقر في قبرك؟
ليس الذنب أن تكون غنيا ولكن الذنب أن تستعبدك المادة وأن تبني قصورك من دموع الضعفاء
وأن تستخدم مالك لتكون متكبرا
لا منفقا !
الوداع دمعة الندم والرعشة
نبرة صوت حزينة تترك استغفارا يرتجف في العروق
تنتهي المقابلة يهم بالرحيل
يلتفت إليك وسط ضجيجِ السوق يبتسم ابتسامة تذيب الجليد ويقول
يا فلان..
ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ
كن تاجرا مع الله
تكن أغنى الناس ولو لم تملك درهما
يتركك ويمضي
وتترك أنت خلفك خزائن صارت كالجمر على صدرك
لتبدأ من هذه اللحظة عهداً لا تغلق فيه يدك عن سائل
ولا يبيت في جيبك حق لمحروم
يا رب
لقد فتنتنا الأموال وألهانا التكاثر حتى زرنا المقابر
اللهم ارزقنا كسباً طيباً وإنفاقاً مباركاً
وزهداً في الدنيا يبلغنا رضاك
اللهم طهر أموالنا من الحرام
وقلوبنا من الشح واجعلنا ممن يستحون منك في غناهم كما في فقرهم
ابحث عن الأثر
من هو هذا الذي تستحي منه ملائكة الرحمن لشدة حيائه ووقاره؟
من هو الذي اشترى بئر رومة بماله الخاص وجعلها وقفاً للمسلمين ليشربوا مجاناً؟
من هو الذي جهز جيش العسرة بماله حتى قال النبي ﷺ
ما ضر فلان ما فعل بعد اليوم؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق